ابن شعبة الحراني

343

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

لقوله : " الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم " لان قريشا كانت تأخذ ديار من هاجر منها وأموالهم ولم تكن العرب تفعل ذلك بمن هاجر منها ، ثم أثنى على المهاجرين الذين جعل لهم الخمس وبرأهم من النفاق بتصديقهم إياه حين قال : " فأولئك هم الصادقون " لا الكاذبون ، ثم أثنى على الأنصار وذكر ما صنعوا وحبهم للمهاجرين وإيثارهم إياهم وانهم لم يجدوا في أنفسهم حاجة - يقول : حزازة ( 1 ) - مما أوتوا . يعني المهاجرين دونهم فأحسن الثناء عليهم فقال : " والذين تبوء والدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ( 2 ) وقد كان رجال اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله قد وترهم المسلمون ( 3 ) فيما أخذوا من أموالهم ، فكانت قلوبهم قد امتلأت عليهم ، فلما حسن إسلامهم استغفروا لأنفسهم مما كانوا عليه من الشرك . وسألوا الله أن يذهب بما في قلوبهم من الغل لمن سبقهم إلى الايمان . واستغفروا لهم حتى يحلل ما في قلوبهم وصاروا إخوانا لهم . فأثنى الله على الذين قالوا ذلك خاصة فقال : " والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ( 4 ) " ، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله المهاجرين عامة من قريش على قدر حاجتهم فيما يرى ، لأنها لم تخمس فتقسم بالسوية . ولم يعط أحدا منهم شيئا إلا المهاجرين من قريش غير رجلين من أنصار يقال لأحدهما : سهل بن حنيف ( 5 )

--> ( 1 ) الحزازة - بالفتح : التعسف في الكلام . وأيضا : وجع في القلب من غيظ ونحوه . ( 2 ) سورة الحشر آية 9 . والخصاصة : الفقر والحاجة . ( 3 ) وترهم : قطعهم - وأبعدهم . ووتر القوم : جعلهم شفعهم وترا أي أفردهم . ( 4 ) سورة الحشر آية 10 . ( 5 ) هو سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد بدرا والمشاهد كلها . وكان في بدء الاسلام عام الأول من الهجرة يكسر أصنام قومه ليلا فيحملها إلى امرأة مسلمة من الأنصار لا زوج لها يقول لها : خذي فاحتطبي بهذا وكان أمير المؤمنين عليه السلام يذكر ذلك عنه بعد موته متعجبا وروى أنه شهد العقبة وكان من النقباء الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وآله الاثني عشر في ليلة العقبة . وكان هو ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد لما انهزم الناس وبايعه على الموت وجعل ينضح يومئذ بالنبل مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نبلوا سهلا فإنه سهل ، وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذين رجعوا إليه فصحبه حتى بويع له بالخلافة واستخلفه على المدينة لما خرج عليه السلام إلى البصرة وكان واليه . ثم ولاه على فارس فأخرجه أهل فارس فوجه عليه السلام زيادا فأرضوه وصالحوه وأدوا الخراج . ثم شهد سهل مع علي عليه السلام صفين وكان هو وأخوه عثمان ابن حنيف من شرطة الخميس وتوفى بالكوفة بعد مرجعه معه من صفين وكان من أحب الناس إليه وجزع من موته فقال عليه السلام : " لو أحبني جبل لتهافت " وكفنه في برد أحمر حبري وصلى عليه خمس صلوات فكبر خمسا وعشرين تكبيرة : بأن صلى عليه وكبر خمس تكبيرات ثم مشى ثم وضعه فكبر خمس تكبيرات آخر يصنع ذلك إلى انتهى إلى قبره وقال عليه السلام : " لو كبرت عليه سبعين مره لكان أهلا " .